من أين نبدأ؟

في صباح أحد الأيام و بعد أن تأجلت مقابلة مشروع التخرج لمجموعتي بسبب نوم أعضاء “القروب” توجهت أنا و صديقي لتناول الإفطار في أحد المجمعات التجارية و عند إيقافي السيارة تجاهلت سعة الموقف بحكم أن المواقف كانت مقسمة قسم للسيارات الصغيرة و آخر لسيارات العوائل.ما هو مهم عند إيقافي للسيارة قال لي صديقي نطالب بالإصلاح و نحن لا نلتزم بالأنظمة, كانت عبارته صفعة لي بحكم أني من المطالبين و المنظرين للإصلاح في الحقيقة بداية كنت أسعى للتبرير بأنه لا يوجد ازدحام بالمواقف و لكني أخيرا استسلمت لمقولته و كان قد أقفل باب السيارة متجها إلى باب المجمع فما كان مني إلا أن غيرت موقف السيارة و من ثم لحقت بصديقي و بينت له أنه وجه إلي صفعة مؤلمة.

هذا الموقف أرجعني إلى حديثي الدائم عن الإصلاح و النهضة والتقدم و البناء الحضاري و لكل من هذه المصطلحات من الأهمية ما يستحق البحث و التعريف.ما يجعلني أتخبط ضائعا اليوم هو السؤال ” من أين نبدأ النهضة؟” و قبل هذا هل نحن بحاجة إلى نهضة؟ أو هل نحن متخلفون؟ في الأخير أقول نعم هناك تخلف و تخبط و يمكن أن يظهر في حياتنا اليومية في الخدمات العامة و الضرورية كنظافة الشوارع و مظهرها و حفر الشوارع و مطباتها و في مستشفياتنا ومستوى الخدمات التي تقدم وفي المباني الحكومية و الخدمات التي تقدمها تلك الجهات الحكومية و في انعدام الذائقة الجمالية لدينا في تعاملنا في مرافقنا العامة وفي انخفاض تقديرنا لذواتنا.و في عدم احترامنا لبعضنا البعض وفي استلابنا” تقليدنا للغير و الانبهار بما لديهم” و في حضور المذهبيات و العصبيات القبلية و المناطقية و……..و……….. ما يمكنني أن أكتب عنده عدة سطور. و لكني في أحد المرات عندما طرح أحد الأخوة هذا السؤال هل نحن متخلفون أم لا كانت إجابتي نعم نحن متخلفون و لكن إجابته كانت مخالفة لي فقد كانت لا و هذا شيء طبيعي إذا عرفت أنه كان يتحدث عن حضور قيم الشهامة و كرم الضيافة و حسن الجوار و أنها حاضرة لدينا فكيف لنا أن نقول أننا متخلفون نعم ربما تكون هذه القيم حاضرة في مواضع و غائبة في مواضع أخرى إلا أننا إذا نظرنا نظرة إجمالية على حياتنا و على الجوانب المختلفة فنحن متخلفين و قد تكون هذه النظرة الأخلاقية نظرة زائفة إذا ما نظرنا إلى تعاملنا مع بعضنا البعض و خدمة بعضنا البعض و في احترام حقنا في التعبير و غيرها.

السؤال الذي يلي الأسئلة السابقة هو كيف لنا أن ننهض أو من أين لنا أن نبدأ النهضة؟ هناك شعارات قائمة في الساحة كشعار ” الإسلام هو الحل” و شعار ” التعددية و احترام الآخر و الديمقراطية هي الحل” وشعار ” العلمانية هي الحل” وهناك عراك دائم بين كل التوجهات المذكورة و التي لم تذكر في الساحة كل من هذه الشعارات له تواجده في ساحتنا العربية أو الدول التي تنعت بأنها دول العالم الثالث. فالشكل المنادي ” بالإسلام هو الحل” و هو ” الشكل الإسلامي” قائم منذ سنوات بل و عقود و لم يستطع أن يقدم لنا نهضة أو تقدم أو حتى فهم نهضوي أو حتى رؤية لما يريد أن يقدم فقط إفرازات شعاراتية تؤجج النفوس وتثير العواطف و المشاعر. شعار العلمانية أو الديمقراطية يجعلنا نتجه بأنظارنا إلى لبنان وديمقراطيتها و تعدديتها المذهبية و الدينية و على كافة المستويات و الأصعدة و الحرية الموجودة هناك التي مع هذا لم تصنع و تقدم نهضة و منتوج حضاري أو هوية مستقلة منتجة أو دعني أقول تهربا من التوجه لتعريف النهضة لم نستطع أن نكون صفرا عالميا من أصفار اليمين بل هي دولة عملتها في أسفل سافلين و مستواها الإقتصادي ربما متردي و لا يوجد لها منتوج مادي حضاري أو قيمي ملموس .

 الاتجاهات هذه و الاتجاهات الأخرى لم تستطع أن تغير حالة هذا الإنسان وتجعله يعيش في مجتمع ينعم بالسلام و الرخاء والمحبة و العدالة الاجتماعية و الحرية. أضف إلى هذا و ذاك أن هناك من يضفي على هذا الواقع نكهات تجعل منه واقعا طوبويا يخلو من المشاكل. و أيضا من يقول أن الدنيا ممر و أن الآخرة دار القرار وربما الوضع يكون أكثر صعوبة مع هاذين النموذجين بمعنى أن هناك من لا يريد الحراك أصلا ومن هو راض بمعيشته.

الواقع صعب و يحتاج من الباحثين و المفكرين و المنظرين إلى و قفات بحثية تأملية تقرأ الواقع قراءة متأنية و أيضا تحتاج إلى من يعيد قراءة التاريخ و استقراء تلك التجارب و استناطاقها ليخرج بنموذج تقدمي نهضوي أو على الأقل أن يبدأ بكتابة الصفحات الأولى لذلك النموذج المنشود و كيفية تحقيقه و من أين نبدأ. يجدر بنا القول هنا أنه يوجد نماذج تعيد انتشار نفسها بنفس الرؤى و الأفكار التي لم تستطع الإنتاج في الماضي القريب فهي بالتالي لن تستطيع أن تنتج في البعيد القريب أو البعيد البعيد فلن أتوقع أن تنتج نتائج مختلفة مادامت تسلك نفس الطرق السابقة.

يريد الإنسان على سطح البسيطة حياة كريمة عادلة حرة تضمن له لقمة عيشه و حقوقه و حرياته و تحقق له عدالة اجتماعية و سعة في الرزق و تجعله ينطلق لينتج في المجال الذي يريد.أملي بأن نصبح نحن و أبناؤنا يوما على نهضة و عدل و سلام.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.